ووفقًا لما نشره موقع Health، فإن الإجهاد المزمن لا يؤثر فقط على الحالة النفسية، بل يمكن أن ينعكس أيضًا على وظائف الدماغ والذاكرة، إذ يرتبط استمرار التعرض للتوتر بارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو ما قد يؤثر في قدرة الدماغ على تكوين الذكريات واسترجاع المعلومات. كما قد تلعب التغيرات الهرمونية التي تحدث خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات دورًا إضافيًا في ظهور مشكلات الذاكرة لدى بعض الأشخاص.
كيف يؤثر التوتر على الذاكرة؟
عندما يتعرض الإنسان للضغط النفسي، يفرز الجسم هرمون الكورتيزول ضمن استجابة طبيعية تساعده على التعامل مع المواقف المجهدة.
ولا يمثل الكورتيزول مشكلة في حد ذاته، لكن استمرار التوتر لفترات طويلة يمكن أن يجعل مستوياته مرتفعة لفترة أطول من المعتاد، وهو ما قد يؤثر سلبًا على بعض الوظائف المرتبطة بالذاكرة والتفكير.
ويرتبط الإجهاد المزمن بتأثيرات في مناطق مختلفة من الدماغ، من بينها قشرة الفص الجبهي واللوزة الدماغية والحُصين، وهو جزء أساسي في عمليات التعلم وتكوين الذكريات واسترجاعها.
ومع استمرار الضغط النفسي، قد يجد بعض الأشخاص صعوبة أكبر في حفظ معلومات جديدة أو استدعاء ذكريات سابقة، كما يمكن أن تتأثر الذاكرة المستقبلية، وهي القدرة على تذكر الأمور التي نخطط للقيام بها، مثل إجراء مكالمة هاتفية أو تناول دواء في موعده.
لماذا قد يصبح النسيان أكثر وضوحًا في منتصف العمر؟
قد تكون فترة منتصف العمر مليئة بالمسؤوليات والضغوط، فالشخص قد يحاول في الوقت نفسه التعامل مع متطلبات العمل، ورعاية الأبناء، ومتابعة احتياجات الوالدين الأكبر سنًا، إلى جانب الالتزامات المالية والأسرية.
وعندما تستمر هذه الضغوط لفترات طويلة، قد يرتفع مستوى التوتر، الأمر الذي يمكن أن يؤثر بدوره على التركيز والذاكرة.
وقد يتحول الأمر إلى دائرة متكررة؛ فالشخص الذي يلاحظ أنه أصبح أكثر نسيانًا قد يشعر بالقلق والتوتر بسبب ذلك، ما يزيد الضغط النفسي ويجعل التركيز أكثر صعوبة.
التغيرات الهرمونية قد تلعب دورًا أيضًا
لا يرتبط النسيان في منتصف العمر بالتوتر وحده، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات الهرمونية التي تحدث في هذه المرحلة على وظائف الدماغ والذاكرة.
لدى النساء
خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث (Perimenopause) تبدأ مستويات هرمون الإستروجين في التغير والانخفاض تدريجيًا.
ويلعب الإستروجين أدوارًا متعددة في الجسم، ومن بينها دعم بعض وظائف الدماغ، ولذلك قد تلاحظ بعض النساء تغيرات في التركيز أو الذاكرة خلال هذه المرحلة.
لدى الرجال :-
تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون تدريجيًا مع التقدم في العمر، وقد درست الأبحاث العلاقة بين انخفاض مستوياته وبعض التغيرات في الوظائف الإدراكية.
ومع ذلك، ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم هذه العلاقة بشكل كامل، لذلك لا يمكن اعتبار التغير الهرموني وحده سببًا مؤكدًا لمشكلات الذاكرة.
متى يكون النسيان طبيعيًا ومتى يحتاج إلى مراجعة الطبيب؟
نسيان كلمة معينة من وقت لآخر أو دخول غرفة ونسيان سبب الدخول قد يكون أمرًا عابرًا، خاصة مع الإرهاق أو قلة النوم أو التوتر.
لكن هناك علامات تستدعي الانتباه، خصوصًا إذا بدأت تؤثر على الحياة اليومية، ومنها:
تكرار السؤال نفسه أكثر من مرة دون تذكر الإجابة.
الضياع في أماكن مألوفة.
صعوبة اتباع التعليمات أو تنفيذ خطوات معتادة.
فقدان الأشياء بشكل متكرر وعدم القدرة على تذكر مكان وضعها.
مواجهة صعوبة في أداء المهام اليومية المعتادة، مثل دفع الفواتير أو تنظيم المواعيد.
وجود هذه العلامات لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض في الذاكرة، لكنه يستدعي التحدث مع الطبيب لتحديد السبب.
5 عادات تساعد على تقليل تأثير التوتر على الذاكرة
يمكن لبعض العادات اليومية أن تساعد في التعامل مع الضغط النفسي ودعم صحة الدماغ، خاصة عندما تصبح الضغوط جزءًا مستمرًا من الحياة.
1- ممارسة النشاط البدني بانتظام
تساعد الحركة المنتظمة، وخاصة الأنشطة الهوائية، في دعم الصحة العامة وتقليل التوتر.
كما ترتبط ممارسة الرياضة بعملية المرونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة والتكيف مع التغيرات.
ولذلك فإن تخصيص وقت منتظم للنشاط البدني يمكن أن يكون جزءًا من نمط حياة داعم لصحة الدماغ.
2- الحصول على نوم جيد
هناك علاقة وثيقة بين النوم والتوتر؛ فقلة النوم يمكن أن تجعل التعامل مع الضغوط أكثر صعوبة، بينما يساعد النوم الجيد الجسم على تهدئة استجابة التوتر.
ولا يقتصر تأثير النوم على الراحة، إذ تلعب مراحل النوم العميق دورًا مهمًا في عمليات مرتبطة بالذاكرة والتعلم.
لذلك فإن الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة والحصول على قدر كافٍ من النوم يمكن أن يدعم التركيز والأداء الذهني.
3- تجربة تمارين اليقظة الذهنية
تعني اليقظة الذهنية (Mindfulness) توجيه الانتباه إلى اللحظة الحالية بدلًا من الاستمرار في التفكير في المخاوف الماضية أو المستقبلية.
وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن ممارسة اليقظة الذهنية لفترات قصيرة قد تكون مفيدة في التعامل مع التوتر، مع وجود حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد حجم تأثيرها على الكورتيزول والذاكرة.
ويمكن البدء بفترات قصيرة من التركيز الهادئ والتنفس المنتظم، ثم زيادة المدة تدريجيًا وفق القدرة الشخصية.
4- استخدام تقنيات الاسترخاء
هناك مجموعة من الأساليب التي يمكن تجربتها للمساعدة في إدارة التوتر، مثل التنفس العميق، واليوجا، وتمارين الاسترخاء التدريجي للعضلات.
وتعتمد تمارين الاسترخاء التدريجي على شد مجموعة من العضلات لفترة قصيرة ثم إرخائها، بهدف المساعدة على التخلص من التوتر الجسدي.
5- عدم مواجهة الضغوط بمفردك
الدعم الاجتماعي والتحدث مع الأشخاص الموثوق بهم قد يساعدان على التعامل مع الضغوط اليومية.
وفي الحالات التي يصبح فيها التوتر مستمرًا أو مؤثرًا على الحياة اليومية، يمكن أن يكون التحدث مع متخصص في الصحة النفسية وسيلة مناسبة للحصول على دعم مهني وتعلم استراتيجيات أكثر فاعلية لإدارة الضغوط.
هل كل مشكلة في الذاكرة سببها التوتر؟
ليس بالضرورة. فمشكلات الذاكرة أو التركيز يمكن أن تكون مرتبطة بعوامل متعددة، منها اضطرابات النوم، وبعض المشكلات الصحية، واضطرابات الغدة الدرقية أو نقص بعض العناصر الغذائية.
ولهذا، إذا أصبح النسيان متكررًا أو بدأ يؤثر على العمل أو العلاقات أو المهام اليومية، فمن الأفضل عدم افتراض أن السبب هو التوتر فقط.
يمكن للطبيب تقييم الأعراض والتاريخ الصحي، وإجراء الفحوص المناسبة عند الحاجة، ثم تحديد ما إذا كان الأمر مرتبطًا بالتوتر أو بعامل صحي آخر.
قد يكون النسيان البسيط أمرًا طبيعيًا، لكن استمرار التوتر يمكن أن يجعل مشكلات التركيز والذاكرة أكثر وضوحًا لدى بعض الأشخاص، خصوصًا خلال مرحلة منتصف العمر.
ومن خلال الاهتمام بالنوم، والنشاط البدني، وتقنيات الاسترخاء، وإدارة الضغوط، يمكن دعم صحة الدماغ وتقليل بعض العوامل التي قد تزيد النسيان. أما إذا أصبح النسيان مؤثرًا على الحياة اليومية أو صاحبه تغير واضح في القدرة على أداء المهام المعتادة، فتظل استشارة الطبيب هي الخطوة الأهم لمعرفة السبب الحقيقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق