ثَمَنُ العُقوق
قصة قصيرة
بقلم الشاعر والأديب د. عبدالحميد السماحي
حقوق الطبع محفوظة
كان لرجلٍ صالحٍ ثلاثةُ أبناءٍ من الذكور، وقد شاءت الأقدار أن ترحل زوجته عن الدنيا، فبقي الأب وحيدًا يحمل على عاتقه مسؤولية أبنائه الثلاثة، وكان اثنان منهم يعيشان في كنفه، يبرّانه ويقومان على خدمته، ويحرصان على رضاه.
أما الابن الأوسط، فقد كان يعمل تاجرًا، غير أن التجارة لم تكن مشكلته، وإنما كانت المشكلة في النفس التي حملها؛ فقد غلبت عليها الأنانية والانتهازية، حتى صار يرى في أقرب الناس إليه فرصةً للربح.
كان يأخذ من البيت بعض المواشي والممتلكات بأثمانٍ بخسة، ثم يوهم أباه وإخوته أنه اشتراها بالسعر نفسه الذي باع به، بينما كان يبيعها في السوق بأثمانٍ أعلى بكثير، ويخفي عنهم ما يحققه من أرباح.
ومرت الأيام حتى انكشف الأمر.
فقد علم الأخوان بحقيقة ما كان يفعله أخوهما من رجلٍ قريبٍ منه، لم يكتفِ بنقل الخبر، بل أقسم لهما على صدقه.
وحين واجه الأب الحقيقة، لم يتصرف باندفاع، ولم يجعل الغضب يقوده، وإنما اختار أن يحسم الأمر بالحكمة والعدل؛ فعزل الابن الذي أساء الأمانة عن إخوته، ووثّق لكل واحدٍ من أبنائه الثلاثة حقه في الميراث، بحضور رجالٍ مشهودٍ لهم بالحزم والأمانة، حتى لا يُظلم أحد، ولا يبقى للخصومة بابٌ مفتوح.
ومضت خمسة عشر يومًا فقط على تلك القطيعة الموثقة بالأوراق، فإذا بالابن التاجر يشتري خمسة عشر قيراطًا من أجود الأراضي، في موضعٍ ذي قيمةٍ مرتفعة.
وصل الخبر إلى أبيه وإخوته.
اشتد الخصام، واشتعلت النفوس، وكادت القلوب أن تحمل من الغضب ما لا تحمله الأرض من ثقل.
لكن الأب، وقد أدرك أن المال يذهب وأن الأبناء هم الباقون، نظر إلى ابنيه اللذين بقيا معه وقال:
«ربنا معاكم، وهيعوضكم خير في الدنيا والآخرة.»
كانت كلماتٍ قليلة، لكنها خرجت من قلب أبٍ موجوع، فاستقرت في قلبي ابنيه.
أما الابن التاجر، فانقطعت معاملته بأبيه وإخوته، ولم يعد أحدٌ منهما يذكره إلا ويقول:
«حسبنا الله ونعم الوكيل.»
ثم دارت الأيام دورتها.
مرض الأب مرضًا شديدًا، واشتد عليه المرض حتى أصبح بين الحياة والموت، وكان ينتظر أن يرى أبناءه حوله، كما ينتظر كل أبٍ في ضعفه يدًا من أبنائه تمسح عنه وجعه.
لكن الابن التاجر لم يأتِ.
لم يزره، ولم يقف إلى جواره، ولم يجلس عند رأسه.
حتى جاء اليوم الذي أغمض فيه الأب عينيه، ورحل عن الدنيا، وقلبه مثقلٌ بالحزن على ابنٍ كان يتمنى أن يعود إلى رشده قبل فوات الأوان.
أما الابنان الباران، فقد أقاما لوالدهما صوانًا كبيرًا على مشارف القرية، يليق برجلٍ عاش كريمًا، ومات عزيزًا، وعُرف بين الناس بحسن الخلق وطيب السيرة.
توافد الناس من كل مكان، وامتلأ المكان بالمشيعين، وتعالت أصوات القرآن والدعاء، وأخذ أهل القرية يتحدثون عن مآثر الرجل ومواقفه الطيبة، حتى تناقلت مكبرات الصوت خبر وفاته وترحّم الناس عليه في أنحاء المنطقة.
وكان الجميع يسأل:
أين الابن الثالث؟
فلم يحضر.
ولم يجد له الناس مكانًا بين إخوته في عزاء أبيه، بعدما أُخرج من مجلس العزاء.
وهنا ظهرت الحقيقة التي لا يستطيع المال أن يخفيها.
فالإنسان قد يشتري الأرض، وقد يجمع المال، وقد يربح من تجارةٍ ويخسر من أخرى، لكنه لا يستطيع أن يشتري رضا أبيه بعد موته، ولا أن يسترد لحظةً واحدةً أهدرها في العقوق.
وبينما كان الأب يُشيَّع إلى مثواه الأخير، كان الابن العاق يقف بعيدًا عن المشهد الذي كان ينبغي أن يكون هو أول الواقفين فيه.
لقد امتلك خمسة عشر قيراطًا من الأرض، لكنه خسر شيئًا أثمن من الأرض كلها:
خسر أباه، وخسر إخوته، وخسر مكانه بين أهله.
والأيام لا تنتهي عند موت الآباء.
فربما أنجب العاق أبناءً، وربما دار الزمان دورته، وربما وقف يومًا ضعيفًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه، فإذا بأبنائه يعاملونه بما علّمهم إياه من قبل.
فمن يزرع العقوق قد يحصد العقوق، ومن يزرع البر يجد أثر البر في حياته.
وهكذا تبقى الحكاية ماثلةً أمام كل نفسٍ سوّلت لها نفسها الطمع:
لا تجعل المال أغلى من أبيك، ولا تجعل الميراث أكبر من رحمك، ولا تجعل الطمع يهدم بيتًا بناه الوالدان بعمرهما.
فالأرض تُشترى وتُباع،
والمال يُجمع ويُنفَق،
أما قلب الأب إذا انكسر، ورضاه إذا ضاع، فليس لهما ثمن.
وتلك هي الحقيقة التي لا يتعلمها بعض الناس إلا بعد فوات الأوان.
بقلمي
د. عبدالحميد السماحي
محرر بجريدة الأهرام نيوز
عضو النقابة العامة للصحافة
والإعلام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق